الإثراء الوظيفي والتوسع الوظيفي
تخيل نفسك ذلك القبطان في بحر هائج في سفينة تتلاطمها الأمواج العالية من كل جانب، البحارة يتراكضون في كل الاتجاهات يبذلون جهد طاقتهم لينقذوا سفينتهم ومصدر رزقهم بل أرواحهم، أما أنت كقبطان فحالك يرثى له، ولا تحسد أبداً على هذا الموقف فأنت في وضع لست سيده، وأنت المسؤول هنا عن النجاح أو الفشل، بل النجاة أو الغرق.
هذا الموقف الصعب يشبه حالة الكثير من الشركات التي تعيش حالة الخطر من الخسارة أو الاغلاق، بسبب المنافسة الشديدة أو الظروف الصعبة الخارجية. قد أكون قد بالغت قليلاً في تشبيهي ولكني أقصد ذلك، لما أراه من حالات فشل لشركات ومشاريع خلاقة وذات أهداف وطنية تنموية، تفشل لأسباب بسيطة كان بالإمكان تجنبها بقليل من المعرفة الإدارية المكللة بإرادة وعزم.
بالرجوع لقصة السفينة أو حالة الشركات في وضع الخطر، لن ينفع معك، خبرتك وحدك ولن ينفع معك أية مكافآت مالية أو تحفيزات مؤقتة أو دائمة، فقد فات الأوان، فما كان سينفعك هو وجود البحارة المهرة أصحاب الولاء الكبير، أو موظفي الشركات الذين نطلق عليهم اسم أعمدة الشركات.
هناك العديد من المفاهيم والنظريات حول كيفية بناء الكادر البشري الخبير وزرع الولاء فيه، وإن من أهم هذه المفاهيم نظريات التحفيز التي أيضاً تتفرع لعدة أنواع منها المعنوية أو المالية أو الوظيفية. سنتطرق هنا لمفهومين فقط من أدوات التحفيز الوظيفي هما الاثراء الوظيفي Job Enrichment، والتوسيع الوظيفي Job Enlargement وهما من المفاهيم الهامة جداً لكل إدارة.
التوسيع الوظيفي Job Enlargement
توسيع الوظيفة Job Enlargementأو زيادة نطاق الوظيفة وهو وسيلة للتحفيز من خلال منح الموظفين المزيد من المهام في نفس المستوى الوظيفي، ودون تغيير في المرجعية الإدارية وهو يتضمن زيادة الواجبات والمسؤوليات الوظيفية، وقد يكون مؤقتاً أو على المدى القصير. كمثال عنه نستطيع جعل الموظف يقوم بتدريب الموظفين الجدد في مجاله، أو نجعله يقوم بأبحاث حول موضوع يصب في مجال عمله، أو نطلب منه تنفيذ أمر كان مديره المباشر يقوم به، أو اذا كان موظف مبيعات مسؤول عن عدة مدن، نستطيع شمل مدن أكثر ضمن مسؤوليته.
من فوائد التوسيع الوظيفي هو تحفيز الموظف وتخفيف الروتين اليومي والملل عن طريق تحقيقه لنتائج أكبر واكتسابه معرفة أو مهارات أكثر. أيضاً، يعمل التوسيع الوظيفي على تخفيض نسبة التغيب عن الدوام لوجود مسؤوليات أكبر لدى الموظف ولشعوره بأن تنفيذها بشكل جيد ومستمر مهم لنجاح الشركة. بالإضافة إلى أن التوسع الوظيفي يعزز من مستوى الثقة بينه وبين الإدارة التي منحته هذه المهام الاضافية، وقد يكون هناك فوائد أخرى مثل تحسين وضع الموظف المادي عن طريق منحه علاوات مالية لقاء هذه المهام الإضافية، وقد تستفيد الشركة من ذلك عن طريق تقليص حاجتها لموظفين جدد يقومون بهذه المهام.
طبعاً، لكل شيء محاذيره، فيجب الأخذ بعين الاعتبار قدرة الموظف وكمية ونوعية المهام الإضافية، فعبء العمل الإضافي لا يجب أن يتجاوز قدرة الموظف، وإلا أدى ذلك إلى إجهاده وانخفاض انتاجيته. أيضاً يجب الانتباه إلى موضوع أن زيادة المهام زيادة مفرطة قد تكون على حساب مستوى الجودة. لذلك ولضمان أن التوسيع الوظيفي كان فعالاً، فمن الضروري مراقبة الأداء باستمرار تجنباً لحدوث أي من هذه المخاطر.
أما الاثراء الوظيفي Job Enrichment
فهو نوع من التحفيز يهدف لتوفير الرضا الوظيفي أيضاً ولزيادة الإنتاجية بنفس الوقت، ويقوم على جعل العمل أكثر تحدياً وأكثر متعةً عن طريق إضافة مسؤوليات ومهام أكثر تعقيداً للموظف مما يتطلب اكتساب مهارات جديدة. هذا النوع من التحفيز يتطلب تغييراً في الأدوار ويحصل عن طريق منحهم سلطة أكبر وصلاحيات أكثر والمزيد من الاستقلالية ليستطيعوا القيام بواجباتهم الجديدة، لذلك يسمى التوسع الرأسي في الوظيفة.
تتبنى الإدارات هذا النوع من التحفيز لعدة أسباب ذكرنا منها تحقيق الرضا الوظيفي الذي قد ينخفض عند الموظفين نتيجة استمرارهم بنفس الأدوار لفترة طويلة من الزمن فيصبح عملهم مملاً أو روتينياً أو خالياً من التحدي، فيقررون البحث عن عمل آخر والمغادرة. لذلك تقوم الإدارات الذكية بمنحهم فرصة الترقي لاستلام أدوار تحقق لهم ما يصبون اليه بالإضافة إلى تحسين عائدهم المالي. وبذلك تحافظ الشركة على موظفيها القدماء وتتجنب تكاليف وأعباء عملية البحث عن موظفين جدد وتدريبهم واكتسابهم لمهارات الموظف المغادر، وبذلك ينخفض معدل دوران العمل وترتفع إنتاجية الشركة. كمثال عنه، ترقية مدير قسم مبيعات منتج معين، ليكون مدير إدارة المبيعات. أو تفويض مدير قسم بجزء من مهام مدير الإدارة.
نستطيع القول أن الاثراء الوظيفي هو عملية تهيئة للقادة الجدد في الشركة، لذلك قد لا ترحب بعض الإدارات به خوفاً من التنافس على المناصب، كما وأنه تغيير رأسي في هيكلية الشركة فقد يتسبب بخلق صراع تنظيمي سببه تضارب بالمصالح. أيضاً من محاذيره هو أن يتم إيلاء منصب أعلى لموظف لا يملك المؤهلات الكافية كل ما سبق هو آثار سلبية قد تنشأ من عملية اثراء وظيفي غير مدروسة. من أجل ذلك ينبغي على الإدارات أن تكون واعية ومدركة لحالة الاثراء الوظيفي وتراقب نتائجها لتضمن أن يكون ذو نتائج إيجابية وفعالة، كما ذكرنا في حالة التوسع الوظيفي.
لتجنب الخلط بين المفهومين، نضع هذه المقارنة السريعة:

أخيراً، لا يخفى على أحد هذه الأيام وجود نسبة عالية من المشاعر السلبية لدى معظم الموظفين، كالخوف من المستقبل والقلق من التغيرات المفاجئة في بيئات العمل وذلك نتيجة عوامل كثيرة منها ما يخص بيئة العمل الداخلية، ومنها ما يخص البيئة الخارجية من تضخم متزايد، وأخبار سيئة تأتي من كل مكان وبشكل متسارع. لذلك وكما قال رسولنا الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم “كلكم مسؤول وكلكم مسؤول عن رعيته” فعلى المدير أن يمارس كل خبراته ومهاراته لمعرفة أحوال الموظفين والعمل على تعزيز خبراتهم وأوضاعهم، فهم من سيعينونه على تحقيق النجاح، وهم من سيعينونه على تجنب غرق السفينة.

You replied to this comment.
شكرا لك، اتمنى لك كل الخير والنجاح