الاستبداد الإداري وعلاقته بآفة اتباع الهوى وطرق العلاج  

مصطلح يستخدم لوصف نظام إداري متسلط محوري، تقوم فيه السلطة الإدارية بإصدار قرارات وتوجيهات من دون السماح بالاعتراض أو المشاركة من الأفراد المعنيين، مع عدم وجود آليات أو ضوابط لمراقبة سلطة الإدارة ويتم فيه تجاوز حقوق وحريات الموظفين من قبل هذه السلطة.

نتائج الاستبداد الإداري

الاستبداد الاداري أو  نمط الادارة الاستبدادي  Authoritarian Management  أو Autocratic Management هو نمط سلبي يتسم بالتسلط والتمييز وعدم المساواة، وغالباً ما يتسبب بنتائج خطيرة وببيئة عمل سلبية يشوبها:

  • الفساد التي أثبتت الدراسات وجود علاقة تكاملية بينه وبين الاستبداد
  • انخفاض معدل الرضا الوظيفي (وجود السخط الوظيفي أو الاحباط الوظيفي)
  • ارتفاع معدل الدوران
  • انعدام الابداع والابتكار
  • ارتفاع معدل التغيب
  • هجرة الموظفين الأكفاء وبالنهاية فشل الشركة.

مداخلة في نمط الاستبداد الإداري:

قد يتبادر لذهن أحدنا أنه لربما يكون المدير هو صاحب الخبرة الأكبر وهو القادر الوحيد على اتخاذ القرارات لضعف خبرات أو كفاءات من حوله فهو مجبور على اتخاذ هذا النمط. وقد يقول قائل أن لهذا النمط ايجابيات يتمثل أحدها بسرعة اتخاذ القرارات التي تنعكس على زيادة في الانتاجية والكفاءة ووجود بيئة عمل مضبوطة ومنظمة، والجواب على ذلك يكون أنه من واجب المدير ومسؤوليته تنمية خبرات موظفيه وتعزيز مهاراتهم واستقطاب اهل الكفاءة لتحقيق نجاح الشركة. أما بالنسبة لسرعة اتخاذ القرارات والتفرد بها فمن يضمن أن تكون هذه القرارات دائماً صحيحة أو أنها كانت أفضل خيار ممكن في ذلك الوقت ونحن هنا بالطبع نتكلم عن القرارات الهامة أو الاستراتيجية التي تتطلب نوعا من البحث والمشاركة في الرأي ولا نتكلم عن القرارات الاجرائية اليومية. وأما بالنسبة لوجود بيئة عمل منظمة ومضبوطة فهو أمر مطلوب طبعا ولا يتنافى تطبيقه مع أي بيئة عمل تشاركية وتعاونية.

علاج ظاهرة الاستبداد الإداري:

إن علاج الاستبداد الإداري  يأتي من خلال تبني الإدارة لممارسات إدارية إيجابية مثل المشاركة بالرأي والعمل بروح الفريق وتوزيع الصلاحيات والتفويض والتوكيل وغير ذلك من نظريات تمكين الموظفين وزرع الثقة بينهم وبين اداراتهم واثراء معارفهم وتنمية قدراتهم، ويمكن الاطلاع على مقالتين سابقتين من ذكاء الأعمال حول ذلك:

مفهومان إداريان لابد أن تمارسهما لإنجاح شركتك! الإثراء الوظيفي والتوسع الوظيفي

أهمية الثقة في نجاح الأعمال، و أهم استراتيجيات بناءها وتعزيزها

ولكن ماذا اذا كانت السلطة الإدارية غير قابلة أو غير مقتنعة أو لا تميل لتطبيق هذه الممارسات أو الحلول. نأتي هنا لمشكلة يجب حلها عن طريق منهج علمي لمعالجة المشاكل الحرجة، والتي يعتبر الاستبداد الإداري أحدها، أي يجب علينا معالجة الأسباب قبل الأعراض.

هناك العديد من الأسباب وراء هذه المشكلة منها أسباب داخلية أو فردية نابعة من بيئة وتربية الشخص وثقافته، وهناك أسباب خارجية تتعلق بالبيئة الخارجية لهذا الشخص. في مقالتنا هذه سنتطرأ إلى إحدى أهم هذه المسببات الداخلية وهي آفة نفسية تدعى -اتباع الهوى- والتي توصف بأنها سبب رئيسي وراء ظاهرة الاستبداد.

اتباع الهوى:

– اتباع الهوى – أو اتباع الرغبات الشخصية والاستسلام لها هي آفة نفسية تعرف بأنها “ما تميل إليه النفس بعيداً عن الأخلاق أو القيم أو الأنظمة والتصرف بناء على هذه الرغبات دون الأخذ بالعقل والمنطق في الاعتبار”  وهو  عكس الحق والاستقامة والاعتدال والتوازن، وينتج عنه مصائب كثيرة منها الظلم والأنانية والغرور والاستبداد الذي هو موضوع مقالتنا، وقد تتسبب هذه الآفة أيضاً بتدمير الشخص ذاته أو فشله اجتماعياً ووظيفياً.

للتخلص من ظاهرة “اتباع الهوى” لدى الأشخاص في بيئة الأعمال، هناك طريقين الأول  ذاتياً والآخر إدارياً.

ذاتياً: يأتي عن طريق تربية النفس وتهذيبها لتعمل وفق قواعد الأخلاق والعدل والحق والشرع وتخويفها من العقاب في الدنيا والآخرة والاستعانة بالله في تطبيق ذلك. فقد قال تعالى مخاطباً نبيه داوود في سورة ص:

] يَٰادَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ (26)[

أيضاً، يأتي عبر احكام العقل والاستعانة بالتخطيط والتحليل واعتبار التجارب السابقة ونتائجها ويمكن لتطوير مهارات الانضباط الذاتي ومهارات اتخاذ القرار أن تساعد في ذلك بشكل كبير.

إدارياً: يتم عبر وضع أسس حوكمة وتدقيق ورقابة ومحاسبة للمسؤولين الإداريين تحت مبدأ كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الذي ورد في الحديث الشريف:

فی الصحیح عنه صلى الله علیه وسلم قال: “کُلُّکُمْ رَاعٍ، وَکُلُّکُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِیَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِیَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِی أَهْلِهِ ومَسْئُولٌ عَنْ رَعِیَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِیَةٌ فِی بَیْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِیَّتِهَا، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِی مَالِ أَبِیهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِیَّتِهِ، أَلاَ کُلُّکُمْ رَاعٍ وَکُلُّکُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِیَّتِهِ”  (آل الشیخ، 1434).

فالمدير مسؤول عن تحقيق أفضل إدارة لمرؤوسيه وعن أفضل استخدام لموارد الشركة فهو مؤتمن على كل ذلك، كما قال تعالى:

 ( ۞ إِنَّ اللَّهَ یَأْمُرُکُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَکَمْتُم بَیْنَ النَّاسِ أَن تَحْکُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا یَعِظُکُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ کَانَ سَمِیعًا بَصِیرًا ) (النساء : 58).

عندما يتخلص المدير من الاستسلام لرغباته ويحكم العقل والمنطق والعدل لتحقيق مصلحة الشركة، سيخلص إلى قناعة تتمثل في ضرورة المشاركة والتعاون والتشاور في الإدارة وفي اتخاذ القرارات، فهذا هو المنهج الصحيح ومنهج القرآن والسنة النبوية في الإدارة. يقول تعالى جل جلاله:

في سورة آل عمران آية 159 ، “فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر”

وفي سورة الشورى ، في الآية 38 ، يقول الله تعالى: “وأمرهم شورى بينهم”

أما قدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان مشاوراً لأصحابه في القرارات الهامة ومنها: اختيار المكان الذي ينزل فيه المسلمون في معركة بدر، واستشارتهم في الأسرى بعد ذلك، واستشارتهم قبل غزوة الأحزاب حين أشار إليه سلمان الفارسي بحفر الخندق.

خاتمة:

يعتبر نمط الاستبداد الإداري بشكل عام من الأساليب القديمة ذات نسب الفاعلية المتدنية في بيئة الأعمال هذه الأيام. حيث أثبتت الأساليب الإدارية التشاركية في العمل كفاءة وفعالية أكبر ونتائج أفضل من حيث نجاح الشركة ومن حيث توفير بيئة عمل مريحة وجاذبة للكفاءات.

اترك رد

اكتشاف المزيد من Business Intelligence ذكاء الأعمال

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة